languageFrançais

لماذا ترتفع أسعار الغذاء عالمياً؟

من مضيق هرمز إلى مائدتك .. تفسير الأسباب الحقيقية وراء غلاءٍ لا يتوقف

في كل مرة تقفون فيها أمام رفوف المتجر مندهشين من الأسعار، أنتم تشعرون بتداعيات قرارات تُتخذ في موانئ الشرق الأوسط، وحقول البرازيل، وقاعات الأمم المتحدة.. فكيف وصلنا إلى هنا؟

السياق العام

الأرقام تتحدث: ما الذي يقيسه مؤشر الفاو؟

كل شهر، تُصدر منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة - المعروفة بـ"الفاو" - مؤشراً يرصد أسعار خمس مجموعات غذائية أساسية في الأسواق العالمية: الحبوب، واللحوم، ومنتجات الألبان، والزيوت النباتية، والسكر. هذا المؤشر هو البوصلة التي يعتمد عليها خبراء الاقتصاد والحكومات لفهم اتجاه الأسعار.

في مارس 2026، بلغ هذا المؤشر 128.5 نقطة، بارتفاع 2.4% عن الشهر السابق، مسجلاً أعلى مستوياته منذ ديسمبر 2025. والأخطر من الرقم نفسه هو أن هذا الارتفاع جاء للشهر الثاني على التوالي، مما يعني أننا أمام اتجاه تصاعدي وليس مجرد تقلب عابر.

السبب الأول

التوترات الجيوسياسية: حين تحترق السياسة، يرتفع الغذاء

الحرب في الشرق الأوسط وتداعياتها على مضيق هرمز كانت المحرك الرئيسي لموجة الغلاء الأخيرة. ومضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي؛ إنه شريان اقتصادي يربط العالم بمصادر الطاقة والموارد الزراعية الحيوية.

"ما يحدث في مضيق هرمز لا يبقى في مضيق هرمز  بل يصل إلى موائد الأسر في تونس والمغرب وإندونيسيا."

تحليل منظمة الفاو في  أفريل 2026

ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل انعكس مباشرة على كلفة إنتاج الغذاء وتوزيعه، فنقل طن من القمح من موانئ البحر الأسود إلى موانئ أفريقيا الشمالية بات أكثر تكلفة، وهذه التكلفة الإضافية لا يتحملها المُصدِّر وحده بل تصل في نهاية المطاف إلى المستهلك.

السبب الثاني

أزمة الأسمدة: الخطر الخفي في الحقل

كثيرون يتساءلون: ما علاقة الحرب بسعر رغيف الخبز؟ الجواب يكمن في كلمة واحدة: الأسمدة. لا يمكن لأي مزارع في العالم أن يُنتج محصولاً كافياً دون أسمدة، وهذه الأسمدة تعتمد اعتماداً كبيراً على الغاز الطبيعي في تصنيعها.

ثلث الأسمدة المتداولة عالمياً يمر عبر مضيق هرمز، وسماد اليوريا الذي يُشكّل 75% من الأسمدة الزراعية المستخدمة عالمياً، قفز سعره من 450 دولاراً للطن قبل تصاعد الأزمة إلى 700 دولار. هذا يعني أن المزارع الذي ينتج القمح الذي يصنع منه خبزك يدفع اليوم 55% أكثر مقابل تسميد حقله.

السبب الثالث

قرارات الدول الكبرى: حين يُفضَّل الوقود على الغذاء

لا تأتي أزمة الغذاء دائماً من نقص في الإنتاج، بل أحياناً من قرارات سياسية واقتصادية تُعيد توجيه الموارد الزراعية وخير مثال على ذلك البرازيل، أكبر مُصدِّر للسكر في العالم.

مع ارتفاع أسعار النفط العالمية، وجدت البرازيل فرصة ذهبية: تحويل جزء من قصب السكر نحو إنتاج وقود الإيثانول، وهو وقود حيوي مُدِرٌّ للربح. النتيجة المباشرة كانت انخفاض المعروض من السكر في الأسواق الدولية، وارتفاع سعره بنسبة 7.2% في شهر واحد فقط.

 

 

السبب الرابع

تغير المناخ: الأزمة الصامتة في الحقول

إلى جانب الأسباب المذكورة سابقا، تُضاف أزمة تغير المناخ التي باتت تُلقي بظلالها على الإنتاج الزراعي في مناطق حيوية. فأسعار القمح اقتربت من أعلى مستوياتها في عامين، ويُعزى ذلك جزئياً إلى تراجع المساحات المزروعة في دول مُنتِجة كبرى بسبب الجفاف وعدم انتظام الأمطار.

في نيوزيلندا وأستراليا، تقلّص المعروض من منتجات الألبان نتيجة موجات الحر الحادة التي أثرت على قطعان الماشية. وفي أوكرانيا، ضرب صقيع شهر جانفي محصول المشمش. كل هذه الصدمات المناخية المتراكمة تُضغط على سلاسل الإمداد الغذائي من اتجاهات متعددة في آنٍ واحد.

التأثير على الأُسر

من يدفع الثمن الأكبر؟

حين ترتفع الأسعار العالمية، لا يتساوى الجميع في تحمّل العبء، فالأسر ذات الدخل المنخفض والمتوسط هي التي تشعر بالوطأة الأكبر، لأنها تُنفق نسبة أكبر بكثير من دخلها على الغذاء مقارنةً بالأسر الثرية.

في الدول النامية، يصل الإنفاق على الغذاء إلى 40-60% من إجمالي دخل الأسرة. وهذا يعني أن ارتفاعاً بنسبة 10% في أسعار الغذاء يُعادل فقدان ما بين 4% و6% من الدخل الكلي للأسرة وهو رقم ضخم في ظل الضغوط الاقتصادية القائمة.

في تونس على سبيل المثال باتت الأسر التونسية تُخصص أكثر من 40% من ميزانيتها للغذاء، مقارنةً بـ30.1% سنة 2021، في ظل ارتفاع أسعار الغذاء بـ21.2% بين 2021 و2023. ويتراوح متوسط الإنفاق الغذائي الشهري لعائلة متوسطة من 4 أفراد بين 1500 و2200 دينار.
 

الغلاء لا يُميّز، لكنه يُعاقب الفقراء بقسوة أكبر.

 تقرير منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة، 2026

ماذا ينتظرنا في الأشهر القادمة؟

الأمم المتحدة حذّرت من أن استمرار الأزمة قد يدفع أسعار الغذاء العالمية إلى الارتفاع بين 15% و20% خلال النصف الأول من 2026. 

وإن كانت الإمدادات الحالية لا تزال في مستويات مقبولة لا سيما الحبوب التي وصل إنتاجها العالمي إلى مستوى قياسي، فإن الهشاشة الكامنة في الأسواق تجعل أي صدمة إضافية قادرة على إشعال موجة غلاء جديدة.

ما يؤكده الخبراء هو أن أزمة الغذاء العالمية لم تعد حادثة مؤقتة، بل باتت ظاهرة هيكلية ناجمة عن تشابك عوامل متعددة: جيوسياسية، ومناخية، واقتصادية. والمطلوب اليوم ليس فقط حلولاً طارئة، بل إعادة تفكير جذرية في كيفية إنتاج الغذاء وتوزيعه على كوكب الأرض.

 

*أميرة العلبوشي

 

*المصادر
منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) - مؤشر أسعار الغذاء، مارس 2026 | الجزيرة.نت - تحقيق "من مضيق هرمز إلى موائد العالم"، أفريل 2026 | العربي الجديد - "الحرب على إيران وارتداداتها على أسعار الغذاء"، 2026 | موقع الأرض الزراعي - "أسعار الغذاء العالمية 2026"

 

 

share